ابن قيم الجوزية
603
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ونظير هذا : التعبير عن معنى محبته وخشيته ، وإجلاله ومهابته . فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك ، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك ، لا بمجرد الوصف والخبر ، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنّين لم تخلق له شهوة أصلا ، فمهما قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به ، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه . فإذا وصفتها لمن خلقت الشهوة فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق . وأصل هذا الفعل : « أعوذ » بتسكين العين وضم الواو ، ثم أعلّ بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو . فقالوا : أعوذ على أصل هذا الباب ، ثم طردوا إعلاله ، فقالوا في اسم الفاعل : عائذ . وأصله : عاوذ . فوقعت الواو بعد ألف فاعل ، فقلبوها همزة ، كما قالوا : قائم ، وخائف . وقالوا في المصدر : عياذا باللّه . وأصله : عواذا كلوذ ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها ، ولم تحصنها حركتها . لأنها قد ضعفت بإعلالها في العمل . وقالوا : مستعيذ . وأصله : مستعوذ ، كمستخرج ، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها ، فلما كسرت العين قبلت قبلها كسرة ، فقلبت ياء على أصل الباب . فإن قلت : فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل ، كقوله : 16 : 98 فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ولم تدخل في الماضي والمضارع ، بل الأكثر أن يقال : أعوذ باللّه ، وتعوّذت ، دون أستعيذ ، واستعذت ؟ . قلت : السين والتاء دالة على الطلب ، فقوله : أستعيذ باللّه ، أي أطلب العياذ به . كما إذا قلت : أستخير اللّه : أي أطلب خيرته ، وأستغفره . أي أطلب مغفرته . وأستقيله . أي أطلب إقالته . فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ . فإذا قال المأمور : أعوذ باللّه . فقد امتثل ما طلب منه . لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام . وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام ، وبين طلب ذلك . فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما